top of page

القفز على كومة الرمل

قصة قصيرة

كنت طفلا شقيا بتعبير الأمهات المصريات، وحكايات شقاواتي ومشاغباتي لا تنتهي لكني سأذكر الآن واحدة من الحكايات التي هدت حيل أمي الله يديها الصحة، والحكاية أننا كنا نسكن الدور الرابع وأن مكالمة تليفونية متكررة تستقبلها أمي من إحدى الجارات على تليفون المنزل مفادها أن "ابنك بيرقص على سور البلكونة!" تفتح أمي باب البلكونة في فزع وتنزلني من على السور ممتقعة الوجه وتحمد الله أن الموضوع عدى على خير ثم تعيدني إلى الداخل، ومن باب التأديب تقرر أمي عقابي بعدم النزول لللعب مع أصدقائي في الشارع كما اعتدت أن أفعل يوميا في إجازة الصيف. " مفيش نزول النهاردة، عشان تبقى تتنطط على سور البلكونة كويس" هذا عقاب شديد القسوة فعلا يا أمي! هذا يشبه إيقاف محمد علي كلاي في قمة عطائه، صحيح أن محمد علي استسلم للإيقاف ولكن ما لاتعلمينه أنني لا أستسلم. "طيب لو سمحتي هنزل اشتري حاجة حلوة بالمصروف وهرجع على طول" تنظر لي أمي وهي تعرف أن في الأمر خدعة ما. "أنا قلت مفيش لعب في الشارع"  تنهمر الدموع من عينيّ وتتقطعُ أنفاسي في أقل من ثانية وتخرج كلماتي متقطعة بين النهنة والشحتفة " أنا مش.. هلعب والله.. أنا هشتري حا..جة وهط..لع على طول" تنظر أمي إلى الطفل الصغير قليل الحيلة، الذي يعاني من الحبس بينما أصوات الأطفال تتسلل إلى المنزل وهم يمرحون بلعب الكرة وثبّت وتيرو وصيادين السمك، ثم تقرر أن ترتكب حماقة عاطفية وتسمح لي بالنزول.

بعد الهاتف الأرضي لا وسيلة للتواصل مع الناس غير زيارتهم ولما كانت أمي لا تسمح لي باستخدام التليفون فإن فرصتي الوحيدة هي نزول الشارع " قدامك ربع ساعة، كل دقيقة تأخير قدامها يوم كمان من غير لعب في الشارع" ينقطع سيل دموعي فجأة وأعدُها بعدم التأخر ثم أنزل السلالم قفزا كما كنت أحب أن أفعل وأتحدى نفسي هذه المرة وأزيد عدد السلالم التي أتجاوزها قافزًا ثم أختفي عن عينيّ أمي وأعود في أقل من عشر دقائق، تنظر لي بعطف حقيقي وتقول " شاطر إنك متأخرتش"  أجلسُ ممسكا بإحدى روايات الجيب واضعًا أمامي كيس الكاراتيه وعلى وجهي ابتسامة شيطان ناشئ بينما تجلس هي مطمئنة على كنبة الصالون، تقرأ في كتاب ما. بعد مرورنصف الساعة أسمع جرس الباب ولا أحرك ساكنا مُدعيَا أنني مستغرق في القراءة لتقوم أمي وتفتح الباب فتجد أمامها أحد أصدقائي. " طنط هو عبد الرحمن هيلعب؟" تلتفت أمي إليّ وبدا لها أنها أدركت الخدعة الآن ثم تنظر إلى ميدو" معلش يا حبيبي عبد الرحمن متعاقب النهاردة" يرحل ميدو بعد أن توسل إلى أمي كثيرا لتفرج عني بلا أي فائدة، وتشعر بزهو الانتصار لأنها أجهضت حيلتي الساذجة ببساطة وبلا مجهود يذكر. سامحيني يا أمي ابنك أكثر تعقيدًا مما تظنين، يبدو أنك لم تتوقعي فهمي لأهمية الخطة البديلة. ما علينا، كان عليك أن تسألي على مكانتي في الشارع قبل أن تقرري حبسي في المنزل!

 ما أزال مستغرقا في كتابي أتابع "أدهم صبري" وهو يحطم المستحيلات بينما أمي اطمأنت إلا أن كل شيء على ما يرام، ولكن لا تمر نصف ساعة أخرى إلا ونسمع جرس الباب، لا أحرك ساكنا هذه المرة أيضا، أنا قارئ مُخلص! ومرة أخرى تفتح أمي الباب لتجد أمامها ميدو وأربعة عشر آخرون! "طنط لو سمحتِ سيبي عبدالرحمن ينزل يلعب معانا" ثم لا يسمحون لها حتى أن ترد عليهم، خمسة عشر "والنبي يا طنط" تملأ طرقة الطابق أمام شقتنا في همجية طفولية مزعجة للدرجة التي تستفز طنط حنان جارتنا وتفتح باب شقتها لترى ماذا يحدث، تتفاجئ حنان بثلاث فرق كرة قدم خماسية يتقافزون على السلالم ولا تدري ماذا تقول، بينما الشياطين الصغار مستمرون في الزن، تشعر أمي بضغط الجماهير وتستعطفها طنط حنان "حرام عليكي يا هويدا سيبيه ينزل مع اصحابه" يخفق قلبي بشدة منتظرًا ردة فعل أمي التي يبدو على وجهها الحيرة الشديدة، ثم توارب باب الشقة وتعود إليّ لتجدني جالسا في مكاني ممسكا كتابي ببراءة ذئب. "ماشي، أنا هسيبك تنزل دلوقتي وحسابنا بعدين". أخرج لأصدقائي بابتسامة زعيم. ليس ذنبك يا أمي أنني سياسي داهية وجانجستر جماهيري، يلتف حولي أصدقائي مُهللين فرحين بخروجي من الإقامة الجبرية قبل أن تلفظنا العمارة خارجًا بينما أمي تشاهدنا من البلكونة داعية الله أن يعينها على هذا المتشرد الذي يقود مسيرة صغيرة إلى ملعب كرة القدم المرسوم بالجبس الأبيض على أسفلت المدينة.

يومان على الأكثر ويرن هاتف المنزل وتسمع أمي من جديد واحدة "ابنك بيرقص على سور البلكونة" فتشعر أنها ستنهار وتتسائل كيف أستطيع تغفيلها كل مرة وأدخل البلكونة وتشعر بالتقصير وتوشك أعصابها على الانهيار فتطلب من أبي أن يحل المُشكل "إحنا لازم نقفل البلكونة خالص، ندّخلها في الصالة ونعملها ألوميتال". فيقرر أبي أن يضع درابزينَ مرتفعًا ليحل المشكلة دون أن نخسر البلكونة. نجح الدرابزين في ردعي بالفعل عن سور البلكونة ولكنه لم يردعني عن حب المرتفعات، ولا أعلم والله ماذا كان يحدث في عقلي وقتها ولكنني قررت فجأة أن أقفز من الدور الثاني على كومة رمل كان أحد جيراننا في الدور الأرضي يضعها خلف العمارة استعدادا لتشطيب شقته. المهم أنني قفزت من الدور الثاني على هذه الكومة الرملية ويبدو أن الأدرينالين أعجبني فقررت زيادة الإثارة وقفزت من السور بين الدور الثاني والثالث وعندما نجحت لم أصدق نفسي وشعرت بالإنجاز وقررت أنني لابد وأن أكسر رقمي القياسي يوما وأقفز من الدور الرابع.

كانت أمي وقتها في شهرها السابع من الحمل في أخي الصغير، وكان يوم جمعة فألبستني ثيابا نظيفة ورتبت لي هندامي وقبلتني وهي تستودعني الله كالعادة. وخرجتُ أنا من باب الشقة لأجد طنط حنان وعمو أشرف يتأهبان للخروج فانتظرهما مبستما حتى ينزلا ثم انتظرت حتى تأكدت أنهما ابتعدا تماما عن العمارة وملأت رئتيّ بنفس عميق استعدادا لكسر رقمي القياسي والقفز من الدور الرابع على كومة الرمل. نظرت إلى كومة الرمل وشعرت أن الأمر ممكن ولكن يحتاج فقط إلى بعض الجرأة، استجمعت شجاعتي وصعدت على السور ومازال جسدي إلى داخل العمارة، نظرت مرة أخرى إلى كومة الرمل وما زلت أرى أن بإمكاني فعلها، الآن جسدي خارج العمارة وأستند بساعديّ على السور، نظرة أخرى إلى الأسفل ومازلت أشعر أن القفزة ممكنة، أتخلى عن ساعديّ وأمسك السور بيديّ فقط وألقي نظرة أخرى، لماذا أشعر هذه المرة أن كومة الرمل بعيدة جدا! لو قفزت من هذا الارتفاع سأتحول إلى كومة من العملات المعدنية برايزوشلنات! أشعر بالرعب وأحاول التراجع تخذلني يداي وتفلت كفوفي السور، الآن أنا متشبث بأصابعي فقط على ارتفاع أربعة طوابق، وكل محاولاتي للعودة مرة أخرى لا تنجح، ما هذا الذُعر، تماسك يا رجولة!. اهدأ قليلا وتبدأ أنفاسي بالانتظام، أذكّر نفسي بمكانتي في الشارع، يللا يا مافيا، الموضوع لا يحتاج منك إلا إفلات أصابعك! أنظر مرة أخيرة إلى كومة الرمل، ثم  أمرر شهيقًا عميقًا وأصرخ بما أوتيتُ من قوة "يا مامااااا يا مامااااااااا..إلحقيني يا ماماااااااااااا".

تسمع أمي صراخي الهيستيري فتفتح الباب لتجد أمامها المشهد المهبب، تحاول أن تجذبني ولكن لا تسعفها قوتها بسبب الحمل فتبدأ في طرق باب طنط حنان بهيستيرية طلبًا للمساعدة ولا أحد في الداخل ليفتح لها فتقرر النزول إلى الطابق الثالث وتطرق باب الجيران، بالطبع لم تفتح الجارة لأمي لأنها لم تكن على علاقة وثيقة بها ولأنها ظنتها مجنونة، إذ كيف يمكن لامرأة عاقلة أن تطرق باب جيرانها وهي في ملابس المنزل وبهذه الهيستيريا. تقرر أمي العودة مرة أخرى وسبحان من أعطاها القوة لتنجح في جذبي فعلا وإعادتي إلى طُرقة الطابق وسبحان من أعطاها القوة ليرّن كفها على وجهي بقلم مشحون بكل انفعالات الدنيا، قبل أن تنهار باكية.

تحكي أمي هذه الحكاية وحكايات أخرى كثيرة وتتبعها دائما بعبارة "كان أسهل حمل في اخواته، وقعدله شهرين تلاتة بريئ بعد ما اتولد وبعد كده وراني الويل"

© 2023 by Abdelrahman Ahmed. Powered and secured by Wix

bottom of page