لطخ
قصة قصيرة
كُنت وقتها مهزومًا جدًا إثر انهيار قاسٍ لعلاقة عاطفية حزينة، فقررتُ أن أتمشى في حي الزمالك وأنا أدندن بعض الأغنيات. ثم استوقفتني هذه السيارة الـ موريس ميني كوبر بيضاء موديل ١٩٧٩ باب واحد فرش أحمر أبنوس، ناقل حركة أوتوماتيكي، 1400 سي سي، جلستُ على الرصيف المقابل للسيارة وقد أدركت أنني وقعت في غرامها تمامًا وأن صورتها ستطاردني في أحلامي يوميًا.
"أنا بعرف حاجاتي وحاجاتي بتعرفني".
هكذا أقول لأصدقائي دائمًا، مثلا عندما نذهب لشراء الملابس ينفق أصدقائي الساعات في البحث عن قطعة مناسبة بينما أنا أنظر إلى قطعة معينة وأقول:
- هي دي.
- طب قِيس الأول!
- هي والله صدقني، لو بصيت مكان المقاس هتلاقي اسمي.
بالمناسبة، أصدقائي يحبون ذوقي في اختيار الملابس جدًا لذلك أنا مستشارهم الرسمي في الشراء وأوقات كثيرة في الارتداء.
المهم أنني أدركت أن هذه سيارتي ولكنني أدركت أيضا أنها لن تكون لي أبدًا، نظرًا لإفلاسي الذي من المتوقع أن يستمر طويلا.
كنتُ قد فقدتُ آخر مئتي جنيه في رهان بلاي ستيشن حزين ومُضحك، فكان من الأولى أن أفكر في كيفية قضاء الأيام القادمة بلا أية نقود، ولكنني لم أفعل وفضّلتُ الجلوس على رصيف حي الزمالك متأملا سيارتي التي يملكها آخر. بعد مرور أكثر من ساعتين قررت أن أودع السيارة، ربتُّ عليها في حزن ثم انطلقت.
في الطريق إلى وسط البلد استهلكتُ ما في ذاكرتي من أغنيات هيثم شاكر وبهاء سلطان وتامرعاشور وكل مطربي مراهقتي الحزانى، وكثير من أشعار نجيب سرور وبعض أشعار أمل دنقل. وصلت إلى محطة مترو السادات وقد انتهت طاقتي تماما، جلستُ على أرضية المترو كعادتي، وقبل أن أضع سماعات الأذن جلستْ فتاةٌ بجانبي متعمدة أن تصطدم بي قائلة:
- لا مؤاخذة.
- ولا يهمك.
أفسحتُ لها مكانًا بجانبي ثم وضعت سماعات الأذن، قاطعتني:
- بتسمع إيه؟
- سناء موسى.
- سمعني معاك.
أعطيتها إحدى السماعات ثم أسندت رأسي وأغمضت عيني مستمعًا.
مرت دقائق قبل أن أشعر بيد الفتاة على كتفي:
- انت كويس يا عبد الرحمن؟
انتبهت لدموعي فجأة قبل أن أنتبه لما قالته بشكل مباغت.
- فعلا! إنت تعرفيني؟!
- أيوا شُفتك على فيس بوك قبل كده، كان حد مشيرلك حاجة.
- حاجة إيه؟
- بوست كده كنت بتقول فيه إن حياتك عندها تسلخات في فخادها.
أسكتتني الدهشة لحظات قبل أن أنفجر ضاحكًا.
مدت يدها مبتسمة:
- سلمى
صافحتُها:
- الله يسلمك
- سلمى حسن، فرصة سعيدة اني شُفتك.
- الله يخليكي يا سلمى أنا أسعد والله.
وبدون مقدمات بدأت سلمى في الحكي.
قالت سلمى:
لن تصدق أنني في هذا المترو منذ ما يقرب من خمس ساعات! مرج حلوان/ حلوان مرج.
ضحكتْ قائلة : أحببتُ التكييف!
ثم استطردت:
تركني هذا اللطخ بالأمس بعد محاولات مستميتة مني لإنقاذ العلاقة، كانت علاقة لطخة شبهه.
ضحكت سلمى بعذوبة قبل أن تُكمل: والله أنا خسارة في أمه، هيلاقي فين زيي البقف ده! ده انا حتة سُكرة!.
لم أستطع منع نفسي من الابتسام وقد استعذبت اسلوبها في الحكي والضحك.
أكملت هي ضاحكة:
_ بس قشطة يعني الأيام طيبة وبتنسّي، إنت بقى مالك؟
وجدتُ نفسي أحكي عن السيارة الـ موريس ميني كوبر، سنة إنتاجها وملابسات تصنيعها وتصميمها وشكل ناقل الحركة والكراسي والفوانيس والمرايا.
قلتُ في حزن: - عربيتي والله!
ضحكتْ سلمى وقالت: إنت كمان لطخ والله! بس رغم كده هتبقى عربيتك إن شاء الله.
عندما وصل المترو إلى محطة حلوان سألتُها:
- هتكملي رحلتك في المترو ولا نازلة هنا ولا إيه؟
- اتكل على الله انت، أنا عارفة طريقي.
- طب هتبقي كويسة؟ محتاجة حاجة؟
- يا عم هبقى كويسة انت مأفور ليه هو انا هنتحر ولا حاجة؟!، ثم انفجرت ضاحكة قبل أن تصافحني وتقول :
- ابقى ابعتلي على فيس بوك هتلاقيني بسهولة، عاملالك لايك على بوست التسلخات.
عندما وصلت البيت خطر على بالي أنني كان يجب أن أخبر هذه الفتاة أنها حلوة ولها ضحكة عذبة وأن هذا الشخص بالتأكيد لطخ لكي يتركها، ولكن الإرهاق شتتني فسقطتُ على السرير ونمتُ حتى الصباح.
مرت الأيام وأنا في شُغل دائم بالـ موريس ميني كوبر البيضاء واستولت على تفكري كُله وظللت أبحث عنها في مواقع السيارات المستعملة حتى وجدتها بالصدفة على صفحة فيس بوك، يعرضها صاحبها للبيع، أخذت الرقم الموجود في الإعلان، ثم تذكرتُ فجأة سلمى و شعرتُ أني أريد أن أشاركها هذه اللحظة التي لن تثمر عن شيء، وتخيلت ردة فعلها عندما أقول لها إني لا أملك مليمًا ولكن الرجل يريد البيع وهذا جيد. بحثتُ عنها مبتسمًا كما أرشدتني ثم دخلت حسابها على فيس بوك، لأجد إحدى صديقاتها وقد نشرت بوست تقول:
"ليه تعملي في نفسك كده يا سلمى، ليه يا حبيبتي؟ إحنا اللي قصرنا معاكي وسيبناكي لوحدك، الله يرحمك يارب، سامحيني والنبي"
تجمدتُ في مكاني لأكثر من ساعة وقد ألجمني هول الموقف! ثم خطر في بالي خاطر مرعب، فدخلت إلى رسائل الـ Other فتشتُ فيها بسرعة قبل ان يستقر نظري على اسم سلمى حسن، فتحت الرسالة وأصابعي ترتجف من التوتر:
"انت إنسان جميل يا عبد الرحمن، جميل فعلا وانا متابعاك من زمان، والبت اللي سابتك دي لطخة بردو وانت خسارة فيها، انت محكتليش ليه يا مغفل انت :D أنا متابعاك وعارفة كل حاجة"
انهمرت دموعي وبدأت في وصلة شحتفة مرهقة أجهزت على كل ما في قلبي من طاقة وغرقت في نوم عميق.
بعد مرور عامين كنت قد كتبتُ أول فيلم وتعاقدتُ على فيلمين آخرين، وكنت تواصلت مع مالك الـ موريس ميني كوبر وعرفت أنه باعها لأحد الشباب في مدينة الرحاب. أخذت رقم هذا الشاب ونجحت في إقناعه ببيعها.
بعد أن اشتريتها قمت بتعديل بعض الأشياء الصغيرة ثم وضعت سلسة فضية على مرآتها الداخلية بها دلّاية عليها اسم سلمى، وعلى زجاجها الخلفي مُلصقًا عبارة عن كلمة واحدة.. " لطخ "